السبت، 17 سبتمبر 2016

كشف تلبيسات الأشعرية ( الحلقة الثانية )



العلة ... والحكمة ! (الحلقة الثانية)

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله على آله وصحبه ومن اتبع هداه 

أما بعد

أخي القارئ ..

ناقشنا في الحلقة السابقة غلط قول الأشعرية بامتناع الظلم عن الله سبحانه امتناعاً ذاتياً – بمعنى أن الله غير قادر عليه – وأخبرنا أنه لولا أنه قادر عليه لما مدح نفسه بتركه له،

إذ لا يمدح الشخص (1) نفسه على ترك شيء إلا أنه يكون قادراً عليه 

وفي هذه الحلقة سنناقش مؤلف كتاب السيف الصقيل ومحققه  بنفي الأشعرية (لحقيقة) صفة الحكمة عن الله عز وجلّ .. ثم نعرج بعدها على سوءة غليظة من سوءاتهم التي ستملأ قلبك حيرة من جرأة تلك العقول وخفتها أو سخافتها

فــــ :

ربي يسر وأعن برحمتك يا كريم

قال السبكي ص31 : فصل قال (أي ابن القيم) : 
وكذاك قالوا ماله من حكمة ... هي غاية للأمر والإتقان


قلت (نواف) ؛ أي أن الأشعرية ينفون صفة الحكمة 


فقال السبكي : انظر إلى هذه الجرأة والكذب على العلماء .. إلخ


قلت : معنى الحكمة عند أهل السنة (أنها الغايات المحمودة المطلوبة له سبحانه بخلقه وأمره التي أمر لأجلها وقدر وخلق لأجلها وهي صفته القائمة به كسائر صفاته : من سمعه وبصره وقدرته وإرادته وعلمه وحياته وكلامه ) (2)


والأشعرية لا يصرحون بنفي صفة الحكمة عن الله فإن التمويه ديدن القوم ! , بل يعمدون إلى حقيقتها ويسمونها بغير اسمها ثم ينفونها , فسموا الحكمة : عللاً وأغراضاً , 

ثم قال : الإيجي (الأشعري) في المواقف ص202 : في أن أفعاله تعالى ليست معللة بالأغراض , إليه ذهبت الأشاعرة , وقالوا : لا يجوز تعليل أفعاله تعالى بشيء من الأغراض والعلل الغائية .اهـ

ونفيهم للحكمة بهذه الطريقة معناه أن الله تعالى لم يفعل شيئاً لشيء البتة , بل أفعاله كلها صادرة عن محض الإرادة .. فلم تكن حكمة خلق الثقلين وسببها عبادته "وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون" , ولم تكن الحكمة من خلق الليل مظلماً لمناسبته للسكون والراحة , ولا حكمة خلق النهار مضيئاً لمناسبته للسعي والعمل "هو الذي جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله" ..!

وهذه العقيدة باعثها أنهم ظنوا أنهم لو أثبتوا الحكم في مخلوقات الله سبحانه للزم ذلك حاجة الله لهذه المخلوقات !

فقال الكوثري في حاشية السيف الصقيل : وأما كون أفعال الله غير معللة بالأغراض فليس من نفي الحكمة في شيء , بل من قبيل التهيب والاحتراز من القول بأن هناك غرضاً يحمل الله سبحانه على الفعل استحصالاً لذلك الغرض الذي لا يحصل إلا بذلك الفعل .. ولما في ذلك من الإستكمال بالغير .اهـ

وقال الرازي كما في محصل أفكار المتقدمين والمتأخرين ص296  : أن كل من كان كذلك كان مستكملاً يفعل ذلك الشيء , والمستكمل بغيره ناقص لذاته ..الخ

وليس الأمر كما فهم هذا الكوثري ولا الرازي !

فإن أهل الحق لا يوجبون على الله شيئاً –كما تفعل المعتزلة- بل يعتقدون أن الله سبحانه قادر على خلق النتائج دون وجود أسبابها , ولكنه سبحانه خلق السبب وخلق النتيجة ؛ ثم جعل النتيجة مرتبط وجودها بوجود أسبابها فإذا وجدت الأسباب وجدت النتائج

ومثال ذلك قوله تعالى "وأنزلنا من السماء ماءاً طهوراً لنحيي به بلدة ميتاً ونسقيه مما خلقنا أنعاما وأناسيّ كثيراً " فأخبر سبحانه أنه أنزل ماءً طهوراً من السماء (سبب) و (النتيجة) ليحيي به الأرض الميتة ويسقيه للأنعام والأناسيّ .

وهذا كله دليل على كماله سبحانه،

فهو سبحانه عندما يفعل شيئا لحبه له فهذا من كماله وعندما يترك شيئاً لعدم حبه له يكون تركه كمالاً , وعندما يفعل شيئاً في خلقه هو لا يحبه لا يفعله إلا لأنه جعل نتيجته شيئاً يحبه ،

وهذا أمر بسيط واضح لكنه خفي على من لم يتجاوز فهمه فهم السائمة من الأنعام كالكوثري والرازي 

وقد تخلل الجويني (الأشعري) أيضاً بلسانه متحدثاً عن صفة الحكمة فقال : معنى قولنا : إنه حكيم في أفعاله أنه مصيب في ذلك ومحكم لها , لأنه مالك الأعيان فيتصرف تصرف مالك الأعيان في ملكه من غير اعتراض , وقد يراد بالحكمة : العلم بالمعنى بكونه حكيماً في فعله أنه خلقه على الوجه الذي أراده وعلِمه وحكم به !! .اهـ(3)

وهذه الخزعبلات التي تفوه بها الجويني لا يفهم منها أبداً اتصاف الله سبحانه بحكمة حقيقية البتة 

فسحق ابن تيمية هذا الكلام وصاحبه قائلاً : ففسروا حكمته بمعنى أنه يفعل ما يشاء بلا ذم , أو بمعنى أنه عالم , ولا ريب أن هذا خلاف ما عليه الناس في معنى الحكمة والحكيم فإنهم لا يجعلون الحكمة كون الحكيم له أن يفعل ما يشاء وإن كان الله تعالى له أن يفعل ما يشاء (( لكن الحكمة فعله بعض الأشياء دون بعض لاشتمال المفعول على ما يصلح أن يكون مراداً للحكيم )).اهـ

ثم بالغت الأشعرية في الغباء فبنوا على هذا الرأي رأياً آخراً أوغل منه بالسخافة

فقالوا : إن اقتران الأشياء ببعض الأمور يستدعي الظن بأن هذه الأشياء مقرونة بتلك الأمور بشكل مطلق دائم (4) .

بمعنى أنه هذه الأمور التي اعتدنا رؤيتها كالاحتراق الذي يحصل بالنار والتشافي الذي يحصل بالدواء والشبع الذي يحصل بالطعام اقتران هذه الأسباب بنتائجها عند الأشعرية ليس اقتراناً مطلقاً فليس في هذه المقدمات قوى مودعة من قبل الله

فعند إلقاء خشبة في النار فإن الحرق الذي يحصل في الخشبة خلقه الله في هذه اللحظة دون أن تكون النار سبباً فيه , وليس للنار قوى حقيقية أودعها الله بها تجعلها تسبب الإحراق !!.

وأيضا لو أمررنا سكيناً على تفاحة فإن القطع الحاصل في التفاحة ليس للسكين دخل فيه وليس في السكين قوى أودعها الله بها تجعلها تسبب القطع في الأشياء التي تمرر فيها !!.

فليس في الأشياء قوى أودعها الله بها وهذه الأشياء التي نراها إنما هي أمر اعتدناه وألفناه 

ثم اختلفوا في تكفير أو تبديع من اعتقد أن الله أودع في الأشياء قوى وجعلها أسباباً لما يتحصل منها 

فقال الدردير في خريدته :

ومن يقل بالطبع أو بالعلة ... فذاك كفر عند أهل الملة
ومن يقــل بالقـــوة المودعـــة ... فذاك بدعي فلا تلتفتِ

وقال البيجوري : فمن اعتقد أن الأسباب العادية كالنار والسكين والأكل والشرب تؤثر في مسبباتها كالحرق والقطع والشبع والري بطبعها فهو كافر بالإجماع (5)
ثم قال : أو لقوة خلقها الله فيها ففي كفره قولان , والأصح أنه ليس بكافر بل فاسق مبتدع .اهـ 

فقل لي بربك هل مثل هذه البدعة –بل الأضحوكة- يحق لقائلها أن يكفر أو يبدع ؟!

وهذه السخافة يكفي في نقضها عرضها دون تعقبها (هكذا ظننت) حتى رأيت بعض نفوس ذوي النقص قد أسرعت في تلقفها .

وهكذا حب الإغراب قاصم !

قال ابن تيمية رحمه الله كما في مجموع الفتاوى (8/137) : قَالَ بَعْضُ  الْفُضَلَاءِ : تَكَلَّمَ قَوْمٌ مِنْ النَّاسِ  فِي إبْطَالِ الْأَسْبَابِ وَالْقُوَى وَالطَّبَائِعِ فَأَضْحَكُوا الْعُقَلَاءَ عَلَى عُقُولِهِمْ . ثُمَّ إنَّ هَؤُلَاءِ يَقُولُونَ لَا يَنْبَغِي لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَقُولَ إنَّهُ شَبِعَ بِالْخُبْزِ وَرُوِيَ  بِالْمَاءِ بَلْ يَقُولُ  شَبِعْت عِنْدَهُ وَرُوِيت عِنْدَهُ ؛ فَإِنَّ اللَّهَ يَخْلُقُ الشِّبَعَ وَالرِّيَّ  وَنَحْوَ ذَلِكَ  مِنْ الْحَوَادِثِ عِنْدَ هَذِهِ الْمُقْتَرِنَاتِ بِهَا عَادَةً ؛ لَا بِهَا . وَهَذَا خِلَافُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ : { وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ } الْآيَةَ وَقَالَ تَعَالَى { وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ  بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ } وَقَالَ تَعَالَى { قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ } ..إلخ

ثم إني سائل الفدم الوقح أو المجنون الذي خرجت هذه العقيدة الفائلة (6) من سوانح غبائه سؤالين يدرك بهما سقوط عقيدته إن شاء الله إن كان بقي فيه مسكة من عقل 

أما الأول : اختلف أتباعك في تكفير أو تبديع كل من يثبت الأسباب .

أليس كذلك ؟

إذاً

قال محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : تَدَاوَوْا عِبَادَ اللهِ ، فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يُنَزِّلْ دَاءً ، إِلاَّ أَنْزَلَ مَعَهُ شِفَاءً ، إِلاَّ الْمَوْتَ ، وَالْهَرَمَ.

وهذا الكلام منه صريح بإثبات قوة الشفاء في الدواء , أي أنه يثبت الأسباب !!

فما الراجح عندكم في صاحب هذا الكلام ؟
أوَ مبتدعٌ هو عندكم أم كافرٌ ؟



والسؤال الثاني : تعتقد الفرقة الأشعرية أن الدليل الوحيد لإثبات نبوة مدعي النبوة هو المعجزة

قال الجويني في الإرشاد : فصل : لا دليل على صدق النبي غير المعجزة .اهـ

بمعنى أن (سبب) إجراء الله للمعجزات على أيدي أنبيائه إثباتا لصدقهم

هذا معناه أن الفرقة الأشعرية تثبت الأسباب !

فيا معاشر الأشاعرة هذه الفرقة الأشعرية تثبت الأسباب فما الراجح فيهم عندكم هل هم مبتدعة أم كفار ؟!

هذا وصلّ اللهم وسلم على سيدنا محمد.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


(1) يصح الإخبار عن الله بأنه شخص , والدليل حديث "لا شخص أغير من الله"
(2) مدارج السالكين 
(3) نقله ابن تيمية في بيان تلبيس الجهمية (1/215) وذكر المحقق أنه لم يجده في كتب الجويني المطبوعة .
(4) الغزالي في الاقتصاد ص122
(5) هو قول الطبائعيين الذين يزعمون أن في الطبيعيات قوى مستقلة
(6) التافهة
* عامة النقولات عن الأشاعرة اقتبستها من بحوث من مواقعهم.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أتممته ولله الحمد يوم السبت 
15 ذي الحجة 1437
17/9/2016

بين أذان صلاة الفجر وإقامتها.

الأحد، 28 أغسطس 2016

بِدع الأشاعرة (١)

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه

أما بعد:

فهذا مقال أبتدئ به مستعيناً بالله سلسلةً أناقش فيها العديد من العقائد الأشعرية وأبين كوامنها ؛ 
وسيكون كتاب (السيف الصقيل) لعلي بن عبدالكافي السبكي الأشعري  هو الضحية التي سأفرغ عليها ما في كنانتي (١) إن شاء الله تعالى

أولاً : نبذة يسيرة عن الكتاب الذي يسميه صاحبه ( السيف الصقيل ) :

ألّفَّ السبكي هذا الكتاب ردّاً على نونية ابن القيم رحمه الله تعالى مستلّاً لبعض أبياتها ومعلقاً عليها .. وعامة تعليقاته تقريباً مجرد ندبٍ وتسخطٍ لا غير

والذي خدم هذا الكتاب وأخرجه محارباً لله ورسوله هو محمد بن زاهد الكوثري , ووضع في الكتاب حاشية موغلة في الإثم والعدوان سمّاها (تبديد الظلام المخيم على نونية ابن القيم) وصار الكتاب مع الحاشية والملحق التافه في مئة وستين صفحة .

ثانيا ً

ربي يسر وأعن برحمتك يا كريم


قال علي السبكي ص31 : ثم قالأي ابن القيم- : (( والظلم عندهم المحال لذاته )) 
قال السبكي : نعم إن الله لا يظلم مثقال ذرة "وما ربك بظلام للعبيد" وكيف يتصور الظلم والكل ملكه , ثم قالابن القيم-:((أنى ينزه عنه ويكون مدحاً ذلك التنزيه)) , 
قال السبكي : قلنا يا جاهل اجترأت على الله وعلى عباده فلم تفرق بين الفعل والخلق , وظننت بجهلك أنهما سواء , وأنه لا يعاقب على فعله .اهـ


قلت : في هذه الفقرة يقرر السبكي أن الله سبحانه وتعالى غير قادر على الظلم أي أن الظلم ممتنع ((لذاته)) عن الله.

بينما أهل الحق يعتقدون أن الله تعالى قادر على الظلم ولكنه سبحانه لكمال عدله حرّم الظلم ومنع نفسه منه , وهذا هو صريح ظواهر القرآن .

قال ابن رجب في جامع العلوم والحكم : وَحَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: هُوَ أَشْرَفُ حَدِيثٍ لِأَهْلِ الشَّامِ. فَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا يَرْوِي عَنْ رَبِّهِ: " «يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي» " يَعْنِي: أَنَّهُ مَنَعَ نَفْسَهُ مِنَ الظُّلْمِ لِعِبَادِهِ، كَمَا قَالَ عَزَّ وَجَلَّ: {وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ} ، وَقَالَ: {وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ} ، وَقَالَ {وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَوَقَالَ {وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ} ، وَقَالَ: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا} ، وَقَالَ {إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ} ، وَقَالَ: {وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا} ، وَالْهَضْمُ: أَنْ يُنْقَصَ مِنْ جَزَاءِ حَسَنَاتِهِ، وَالظُّلْمُ: أَنْ يُعَاقَبَ بِذُنُوبِ غَيْرِهِ، وَمِثْلُ هَذَا كَثِيرٌ فِي الْقُرْآنِ. وَهُوَ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى الظُّلْمِ، وَلَكِنْ لَا يَفْعَلُهُ فَضْلًا مِنْهُ وَجُودًا وَكَرَمًا وَإِحْسَانًا إِلَى عِبَادِهِ. وَقَدْ فَسَّرَ كَثِيرٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ الظُّلْمَ بِأَنَّهُ وَضْعُ الْأَشْيَاءِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهَا. وَأَمَّا مَنْ فَسَّرَهُ بِالتَّصَرُّفِ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ - وَقَدْ نُقِلَ نَحْوُهُ عَنْ إِيَاسِ بْنِ مُعَاوِيَةَ وَغَيْرِهِ - فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ أنَ الظُّلْمَ مُسْتَحِيلٌ عَلَيْهِ، وَغَيْرُهُ (٢) مُتَصَوَّرٌ فِي حَقِّهِ، لِأَنَّ كُلَّ مَا يَفْعَلُهُ فَهُوَ تَصَرُّفٌ فِي مِلْكِهِ، وَبِنَحْوِ ذَلِكَ أَجَابَ أَبُو الْأُسُودِ الدُّؤَلِيُّ لِعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ حِينَ سَأَلَهُ عَنِ الْقَدَرِ. وَخَرَّجَ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سِنَانٍ سَعِيدِ بْنِ سِنَانٍ، عَنْ وَهْبِ بْنِ خَالِدٍ الْحِمْصِيِّ، «عَنِ ابْنِ الدَّيْلِمِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ يَقُولُ: لَوْ أَنَّ اللَّهَ عَذَّبَ أَهْلَ سَمَاوَاتِهِ وَأَهْلَ أَرْضِهِ، لَعَذَّبَهُمْ وَهُوَ غَيْرُ ظَالِمٍ لَهُمْ، وَلَوْ رَحِمَهُمْ، لَكَانَتْ رَحْمَتُهُ خَيْرًا لَهُمْ مِنْ أَعْمَالِهِمْ، وَأَنَّهُ أَتَى ابْنَ مَسْعُودٍ، فَقَالَ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ أَتَى زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ، فَحَدَّثَهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمِثْلِ ذَلِكَ» . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ نَظَرٌ، وَوَهْبُ بْنُ خَالِدٍ لَيْسَ بِذَلِكَ الْمَشْهُورِ بِالْعِلْمِ. وَقَدْ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ لَوْ أَرَادَ تَعْذِيبَهُمْ، لَقَدَّرَ لَهُمْ مَا يُعَذِّبُهُمْ عَلَيْهِ، فَيَكُونُ غَيْرَ ظَالِمٍ لَهُمْ حِينَئِذٍ.
وَكَوْنُهُ خَلَقَ أَفْعَالَ الْعِبَادِ وَفِيهَا الظُّلْمُ لَا يَقْتَضِي وَصْفَهُ بِالظُّلْمِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، كَمَا أَنَّهُ لَا يُوصَفُ بِسَائِرِ الْقَبَائِحِ الَّتِي يَفْعَلُهَا الْعِبَادُ، وَهِيَ خَلْقُهُ وَتَقْدِيرُهُ، فَإِنَّهُ لَا يُوصَفُ إِلَّا بِأَفْعَالِهِ لَا يُوصَفُ بِأَفْعَالِ عِبَادِهِ، فَإِنَّ أَفْعَالَ عِبَادِهِ مَخْلُوقَاتُهُ وَمَفْعُولَاتُهُ، وَهُوَ لَا يُوصَفُ بِشَيْءٍ مِنْهَا، إِنَّمَا يُوصَفُ بِمَا قَامَ بِهِ مِنْ صِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ .اهـ


وقال شيخ الإسلام رحمه الله كما في مجموع الفتاوى (18/144) : وكذلك قوله تعالى "وقال الذي آمن يا قوم إني أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب مثل دأب قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم وما الله يريد ظلما للعباد" يبين أن هذا العقاب لم يكن ظلما ؛ لاستحقاقهم ذلك وأن الله لا يريد الظلم , والأمر الذي لا يمكن القدرة عليه لا يصلح أن يمدح الممدوح بعدم إرادته وإنما يكون المدح بترك الأفعال إذا كان الممدوح قادرا عليها , فعلم أن الله قادر على ما نزه نفسه عنه من الظلم وأنه لا يفعله وبذلك يصح قوله "إني حرمت الظلم على نفسي" وأن التحريم هو المنع , وهذا لا يجوز أن يكون فيما هو ممتنع لذاته فلا يصلح أن يقال : حرمت على نفسي أو منعت نفسي من خلق مثلي أو جعل المخلوقات خالقة ونحو ذلك من المحالات ؛ وأكثر ما يقال في تأويل ذلك ما يكون معناه إني أخبرت عن نفسي بأن ما لا يكون مقدورا لا يكون مني , وهذا المعنى مما يتيقن المؤمن أنه ليس مراد الرب وأنه يجب تنزيه الله ورسوله عن إرادة مثل هذا المعنى الذي لا يليق الخطاب بمثله إذ هو مع كونه شبه التكرير وإيضاح الواضح ليس فيه مدح ولا ثناء ولا ما يستفيده المستمع , فعلم أن الذي حرمه على نفسه هو أمر مقدور عليه لكنه لا يفعله لأنه حرمه على نفسه وهو سبحانه منزه عن فعله مقدس عنه .اهـ

وهذا الكلام المتين من ابن تيمية رحمه الله كاف شاف في سحق هذه المقالة وبيان تفاهة العقول التي نسجتها وسخافة القطعان التي اتبعتها

وملخصه أنه لولا أن الله تعالى قادر على الظلم لَما مدح نفسه بتركه !!

فالمسألة ولله الحمد على قدر عال من الوضوح

ولكن

عَلَيَّ نَحْتُ الْقَوَافِي مِنْ مَقَاطِعِهَا ... وَمَا عَلَيَّ لَهُمْ أَنْ تَفْهَمَ الْبَقَرُ

وفي المقال القادم سأبيّن تناقضهم في زعمهم منع الظلم عن الله تعالى , وتعلق هذه المسألة بصفة الحكمة التي لم يثبتوها لله حقيقة .


هذا وصل اللهم وسلم على سيدنا محمد


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١) الكنانة : وعاء من جلد أو نحوه يستخدم لوضع السهام فيه .
(٢) كأنها : وغير .



اتممته في :
ضُحى يوم الأحد ٢٥ ذو القعدة  ١٤٣٧ هـ
2016/8/28