الاثنين، 7 نوفمبر 2016

الحلقة الثالثة ( الأشاعرة الجبرية )

الحلقة الثالثة ( الأشاعرة الجبرية )

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه

أما بعد

قال السبكي (1) : 

فصل في تخيل الناظم في أفعال العباد ..إلخ 
قالأي ابن القيم- : والعبد عندهم ليس بفاعل ... بل فعله كتحرك(2) الأجفان
قال السبكي : كذب هذا الجاهل في قوله : إن العبد عندهم ليس بفاعل . ولكن مراده بذلك قولهم : إنه لا يخلق فعله . وليس بخالق والله سبحانه هو خالق أفعال العباد , فاعتقد هذا الجاهل بسبب ذلك أنهم يقولون إنه ليس بفاعل , وكون العبد ليس بخالق حق , وكونه ليس بباطل , والفاعل من قام به الفعل والفعل قائم بذات العبد , والخالق من أوجد الفعل ولا يوجده إلا الله , وقوله : كتحرك الرجفان . جهل منه فإنه لم يفرق بين الجبر ومذهب الأشعري .اهـ

قلت : هنا يرد السبكي وصف ابن القيم لطائفته الأشعرية بأنهم جبرية ويصفه بالجهل والكذب , وسأبيّن في هذه الوريقات غلط السبكي بزعمه أن الأشاعرة يعتقدون أن العبد فاعل حقيقة وأنهم ليسوا بجبرية .

فــــــــــــــــــــــــ

ربي يسر وأعن برحمتك يا كريم

ومما ينبغي أن يُعلم أولا أن (مذهب سلف الأمة مع قولهم الله خالق كل شيء و ربه و مليكه و أنه ما شاء كان و ما لم يشأ لم يكن , وأنه على كل شيء قدير , وأنه هو الذي خلق العبد هلوعا إذا مسه الشر جزوعا و إذا مسه الخير منوعا ونحو ذلك , أن العبد فاعل حقيقة وله مشيئة و قدرة قال تعالى : "لمن شاء منكم أن يستقيم و ما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين" وقال تعالى : "إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا و ما تشاءون إلا أن يشاء الله" , وقال تعالى : "كلا إنه تذكرة فمن شاء ذكره و ما يذكرون إلا أن يشاء الله هو أهل التقوى و أهل المغفرة" ) .(3)
وقد حذا الجهمية الإناث (الأشاعرة) في باب القدر حذو ذكورهم (الجهمية الخُلَّص) القذة بالقذة إلا أن الإناث موهوا وصرّح الذكور .

موهوا جبريتهم بألفاظ ينفقونها بها بين الجهال والأغمار والحمقى

فقال الذكور : العبد مجبور على أفعاله .
بينما قال الإناث : ليس للعبد فعل , أو : الله هو الفاعل حقيقة , أو : فعل العبد كسب له

وليس بين الإناث والذكور إلا نزاع لفظي 
قال ابن تيمية : وجهم بن صفوا وأتباعه هم أعظم نفيا منهم فإنهم ينفون الأسماء مع الصفات , وهم رؤوس المجبرة , والأشعرية وافقتهم في الجبر لكن نازعوهم (نزاعا لفظيا) في إثبات الكسب والقدرة عليه .اهـ (4)

وقال  : وكثير من المتأخرين من المثبتين للقدر من أهل الكلام -يعني الأشاعرة- ومن وافقهم سلكوا مسلك جهم في كثير من مسائل هذا الباب وإن خالفوه في بعض ذلك إما (نزاعا لفظيا) وإما (نزاعا لا يُعقَل) وإما نزاعا معنويا .اهـ (5)
وقد قال التفتزاني الأشعري : فالإنسان مضطر في صورة مختار .اهـ (6)

قلت : وهذا جبر واضح !

وقال الإيجي : والجبرية متوسطة تثبت للعبد كسبا كالأشعرية , وخالصة : لا تثبته كالجهمية .اهـ (7)

قلت : وكسبهم لا حقيقة له عند التفصيل ولا تأثير ويتبين بما 

قاله الألوسي الصوفي الخرافي : ... ولا أن لهم قدرة غير مؤثرة أبداً كاليد المشلولة كما هو الشائع من مذهب الأشاعرة إذ هو في المآل كقول الجبرية  ( وأي فرق بين قدرة لا أثر لها وبين عدم القدرة بالكلية ) إلا بما هو كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً .اهـ (8)

وأما الجويني فقد ضاق عطنه أثناء حديثه عن مسألة استطاعة العبد : ومذهب أبي الحسن رحمه الله مختبط عندي في هذه المسألة .اهـ (9)

فهؤلاء كبار القوم قد نسبوا هذه الخزية إلى المذهب الأشعري , فهل نصدقهم أم نصدق من لم يأذن الله لصنوف العلم أن تلج قلبه ؟!

والآن وقد شارفت عقارب الساعة الإشارة إلىى الواحدةبعد منتصف الليل- وقد كَلَّ المتن تَعِباً , وتَعِسَ الخاطر لكثرة تردده واطلاعه على سوءات القوم أجد نفسي الملولة مضطرة إلى إنهاء المقال ..

ولكن قبل وضع القلم أريد أن أنبه على قضية خطيرة سببها ما نفثه شيوخ هذا المذهب الوَبي في عقائد الناس ..

وهي أن العامي الجاهل أو الفاسق متى ما وقع في نفسه أن الله جبره على أفعاله سوَّلت له نفسه الانخراط في المحرمات وركوب الفواحش .. وحجته "الله كتب عليَّ هذا" أو "الله يريد مني أن أفعل هذا"

وتأمل في مجتمعات القوم ترى حقيقة ما أقول

تنبيه : طالعت في بحث لأحد مريدي القوم فوجدته يجمع الأقوال بحيث يثبت ما أثبته السبكي هنا , وهذا أيضا فعل من لا يعي , فغالب من يأتي بكلامه إن لم يكن مخالفا للقوم أصالة في المسألة أو في فرع من فروعها فإنه عند جمع كلامه وتمحيصه تظهر جبريته .

هذا وصل اللهم وسلم على سيدنا محمد.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

السيف الصقيل ص30
تصحفت في المطبوع إلى : كتحرج
مجموع فتاوى ابن تيمية (8/118)
مجموع الفتاوى (13/228)
المصدر السابق (8/466)
شرح المقاصد (4/263)
المواقف ص428
روح المعاني (1/64)
البرهان في أصول الفقه (1/277)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أتممته بحمد الله يوم الأحد 
٧ صفر  1438 ھ 
بعد منتصف الليل .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الخميس، 27 أكتوبر 2016

في بيان تناقض الأشاعرة في مسألة تأثير الأسباب

هذا الفصل تابع للمقال الثاني من سلسلة نقض بدع الأشاعرة الذي عزمنا فيه على بيان طوام هذا المذهب من خلالها مستلين لتلك الطوام من كتاب ( السيف الصقيل للسبكي )

فصل : في بيان تناقض الأشاعرة في مسألة تأثير الأسباب

فإنه مع نفي الأشاعرة لتأثير الأسباب بمسبباتها ثم اختلافهم بين مكفّر ومبدّع لمثبتها نجد أن غالبهم ناقض هذا الأصلالذي أصّلوه- مناقضة موحشة فأثبت (( أسباباً )) متَّفَقٌ على تكفير أصحابها

فما هي تلك الأسباب ؟!

غالب متأخري الأشاعرةبما فيهم سبكيّهم وكوثريُّهميعتقدون أن اللجوء إلى الأنبياء والأولياء الصالحين ودعاءهم والاستشفاع بهم من (( أعظم الأسباب )) الجالبة للخير الدافعة للشر  

قال البوصيري في بردته غاليا في النبي صلى الله عليه وسلم :
يا أكرم الخلق مالي من ألوذ به ..سواك عند حدوث الحادث العمم
إن لم تكن آخذا يوم المعاد يدي .. عفواً وإلا فقل يا زلَّة القدم

وقصيدة البوصيري سارت بها ركبان الأشاعرة سيرا , وحازت على قصب السبق في الشرك بالله 

وقال السبكي : اعلم أنه يجوز ويحسن التوسل والاستغاثة والتشفع بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى ربه سبحانه وتعالى وجواز ذلك وحسنه من الأمور المعلومة لكل ذي دين .اهـ (1)

ومن المتأخرين شمس الدين الرملي قال : الاستغاثة بالأنبياء والمرسلين والأولياء والعلماء والصالحين جائزة , وللرسل والأنبياء والأولياء والصالحين إغاثة بعد موتهم , لأن معجزة الأنبياء وكرامات الأولياء لا تنقطع بموتهم ... .اهـ المراد (2) 

وأيضا يوسف بن إسماعيل النبهاني 1350ت ألّف كتابه الأثيم "شواهد الحق في الاستغاثة بخير الخلق" واسم الكتاب وحده ينضح بالشرك !!

نقل في أول صفحة قول ابن حجر الهيتمي عن رسول الله أن : التوسل به حسن في كل حال قبل خلقه وبعد خلقه في الدنيا والآخرة .اهـ

ومن المعاصرين الكوثري لا رحمه الله حامل لواء التجهم والشرك حيث قال: وعلى التوسل بالأنبياء والصالحين أحياء وأمواتا جرت الأمة طبقة فطبقة .اهـ (3)

وفي ص153 كتب مقالا سمّاه "بناء مساجد على القبور والصلاة إليها" جوّز فيه تلك الوثنية

وقال : وأما من جهة المعقول فإن أمثال الإمام الفخر الرازي , والعلامة سعد الدين التافتزاني , والعلامة  السيد الشريف الجرجاني , وغيرهم من كبار أئمة أصول الدين الذين يفزع إليهم في حل المشكلات في أصول الديانة , قد صرحوا بجواز التوسل بالأنبياء والصالحين أحياء وأمواتا .اهـ (4)

ومواقع القوم ومنتدياتهم على الشبكة تضجّ بمثل هذه الشركيات التي اتخذوها أسباباً 

قال ابن تيمية رحمه الله : ... بخلاف دعاء الموتى والغائبين من الأنبياء والملائكة والصالحين والاستغاثة بهم والشكوى إليهم فهذا مما لم يفعله أحد من السلف من الصحابة والتابعين لهم بإحسان ولا رخص فيه أحد من أئمة المسلمين .اهـ (5)
وهذا الذي بلغ بهم فساد عقلهم أن أنكروا الأسباب الحقيقية فألحقوا بالمجانين , وأثبتوا الأسباب الوثنية فألحقوا بالمشركين

فصدق ابن القيم رحمه الله حين قال : من عصى الله بشيء عوقب بفساده .

ذيل

وقد ذكر ابن القيم رحمه الله أن كل من دخل التعطيل في قلبه دخل معه الشرك فقال: ولهذا كلما كان الرجل أعظم تعطيلا كان أعظم شركا , ولا تجد معطلا نافيا إلا وفيه من الشرك بقدر ما فيه من التعطيل .اهـ (6)

وذكر رحمه الله سر تفشي الشرك بين أوساط المعطلة في كلام طويل ماتع

قال في خلاصته : وإذا عرف هذا فالرسل جاءوا بكمال الأمرين على أتم الوجوه فإنهم 1- ذكروا من صفات هذا الرب الذي تألهه القلوب وتطمئن إليه الأرواح ما يكون داعيا إلى محبته 2- وأمروا الناس من توحيده وعبادته وحده لا شريك له بما إذا فعلوه أحبهم عليه , فجاءت النفاة المعارضون للوحي بعقولهم وآرائهم فوقفوا في طريق الرسل وأتوا بما يضاد دعوتهم , فنفوا صفاته التي تَعرَّفَ بها إلى عباده , وجعلوا إثباتها تجسيما وتشبيها , و وصفوه من السلوب والنفي بما حال بين القلوب وبين معرفته , وأكدوا ذلك بأنه لا يحب ولا يحب ولا له وجه يراه العابدون المحبون له يوم القيامة فضلا عن أن يحصل لهم لذة هناك بالنظر إليه , ولا يكلمهم ولا يخاطبهم ولا يسلم عليهم من فوقهم , فلما استقر هذا النفي في قلوبهم تعلقت بغيره من أصناف المحبوبات فأشركت به في المحبة ولا بد , وكان أعظم الأسباب الحاملة لها على الشرك هو التعطيل فانظر إلى تلازم الشرك والتعطيل وتصادقهما وكونهما 

 رضيعي لبان ثدي أم تقاسما ... بأسحم داج عوض لا نتفرق (7)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) شفاء السقام ص357
(2) هامش الفتاوى الكبرى للهيتمي ( 4/382)
(3) مجموع مقالاته ص340
(4) المصدر السابق ص342
(5) مجموع الفتاوى (1/264)
(6) الصواعق المرسلة (3/1111)
(7) المصدر السابق (3/ 1355- 1356)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أتممته بحمد الله يوم الخميس
24 محرم 1438
بعد صلاة الظهر