الاثنين، 17 أبريل 2017

الحلقة العاشرة (إرث التعطيل)

الحمد لله والصلاة والسلام على رسو الله وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه

أما بعد 

فقد ناقشنا في الحلقة السابقة الأشاعرة في الصفات وبيننا اننا نستطيع بطريقتهم التي سلكوها في إثباتهم للصفات السبع أن نثبت صفاتا أخرى هم ينفونها وليس لهم في نفيهم لها دليلا سوى دعوى الهروب من التشبيه !!

وفي هذه الحلقة سنتكلم عن نفي الأشاعرة للصفات الفعلية (الاختيارية) وسببه والرد عليه إن شاء الله تعالى 

رب يسر وأعن برحمتك يا كريم

قال الكوثري في حاشيته على السيف الصقيل : اتفقت فرق المسلمين سوى الكرامية وصنوف المجسمة على أن الله سبحانه منزه عن أن تقوم به الحوادث وأن تحل به الحوادث ...اهـ (1) 

وقال : ونسجل هنا على الناظم اعتقاده قيام الحوادث بذات الله سبحانه وتعالى , واعتقاده أن هذه الحوادث لا أول لها .اهـ (2)

أقول : نفي قيام الحوادث الذي تعتقده الأشاعرة معناه : نفي قيام الأفعال الاختيارية عن الله تعالى كالغضب والرضى والضحك والنزول والصعود 

وانتحالهم هذه العقيدة الفاسدة مبني على قاعدة (الاستدلال على حدوث العالم بحلول الحوادث) ومعناها : أن كل شيء قامت به الحوادث (الأفعال) فهو مخلوق 
وبما أن الكون تحل به الحوادث إذا الكون مخلوق
وبما أن الحوادث لا تحل إلا بمخلوق إذا الله لا تحل به (3)

هكذا اخترعت المقدمات ثم قُفِزَ منها إلى النتائج دون وجود أدلة !!

هذه العقيدة الفائلة ورثوها من الكلابية وورثها ابن كلاب من الجهم بن صفوان وكان سبب اختراع الجهم لها هو قلَّت علمه وبالتالي عدم سلوكه للطرق الشرعية بالاستدلال أثناء مناظرته للسمنية 

قال الإمام أبو عبدالله أحمد بن محمد بن حنبل رحمه الله تعالى : قال الإمام أحمد رحمه الله وكذلك الجهم وشيعته دعوا الناس إلى المتشابه من القرآن والحديث فضلوا وأضلوا بكلامهم بشرا كثيرا 
 فكان مما بلغنا من أمر الجهم عدو الله أنه كان من أهل خراسان من أهل ترمذ وكان صاحب خصومات وكلام وكان أكثر كلامه في الله تعالى فلقي أناسا من المشركين يقال لهم السمنية فعرفوا الجهم فقالوا له : نكلمك فإن ظهرت حجتنا عليك دخلت في ديننا , وإن ظهرت حجتك علينا دخلنا في دينك , فكان مما كلموا به الجهم أن قالوا له : ألست تزعم أن لك إلها ؟ , قال الجهم : نعم , فقالوا له : فهل رأيت إلهك ؟ , قال : لا , قالوا : فهل سمعت كلامه ؟ , قال : لا , قالوا : فشممت له رائحة ؟ , قال : لا , قالوا : فوجدت له حسا ؟ , قال : لا , قالوا : فوجدت له مجسا ؟ , قال : لا , قالوا : فما يدريك أنه إله ؟ , قال فتحير الجهم فلم يدر من يعبد أربعين يوما , ثم إنه استدرك حجة مثل حجة زنادقة النصارى وذلك أن زنادقة النصارى يزعمون أن الروح الذي في عيسى هو روح الله من ذات الله فإذا أراد أن يحدث أمرا دخل في بعض خلقه فتكلم على لسان خلقه فيأمر بما يشاء وينهى عما يشاء وهو روح غائبة عن الأبصار .
 فاستدرك الجهم حجة مثل هذه الحجة فقال للسمنىي : ألست تزعم أن فيك روحا ؟ , قال : نعم , فقال هل رأيت روحك ؟قال : لاقال : فسمعت كلامه ؟ , قال : لا , قال : فوجدت له حسا أو مجسا ؟ , قال : لا , قال : فكذلك الله لا يرى له وجه ولا يسمع له صوت ولا يشم له رائحة وهو غائب عن الأبصار ولا يكون في مكان دون مكان. ووجد ثلاث آيات من المتشابه قوله ( ليس كمثله شيء) الشورى (وهو الله في السموات والأرضالأنعام (لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار) الأنعام فبنى أصل كلامه على هذه الآيات وتأول القرآن على غير تأويله , وكذب بأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم , وزعم أن من وصف الله بشيء مما وصف به نفسه في كتابه أو حدث عنه رسوله كان كافرا وكان من المشبهة فأضل بكلامه بشرا كثيرا .اهـ (4)

وفي صريح القرآن آي كثير يرد عليهم قولهم , ويدخل في ذلك: عامة ما أخبر الله به من أفعاله، لا سيما المرتبة، كقوله تعالى: {وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى} ، وقوله: {فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى} ، وقوله: {فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى} ، وقوله: {إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ} ، وقوله: {إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ} ، وقوله تعالى: {فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً، {فَحَاسَبْنَاهَا حِسَاباً شَدِيداً} ، وقوله: {أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبّاً ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقّاً} ، وقوله: {وَهُوَ الَّذِي يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ} ، وقوله: {أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ} (5)

وكذلك كل حديث جاء على هذا النسق من ترتيب الأفعال , كقوله صلى الله عليه وسلم : يضحك ربنا .

وقوله : عجب ربنا من قنوط عباده وقرب غِيَرِه .

قال شيخ الإسلام رحمه الله : وأصله في ذلك مسألة الصفات الاختيارية ونحوها من الأمور المتعلقة بمشيئته وقدرته تعالى : هل تقوم بذاته أم لا ؟ فكان السلف والأئمة يثبتون ما يقوم بذاته من الصفات والأفعال مطلقا والجهمية من المعتزلة وغيرهم ينكرون ذلك مطلقا فوافق ابن كلاب السلف والأئمة في إثبات الصفات , ووافق الجهمية في نفي قيام الأفعال به تعالى وما يتعلق بمشيئته وقدرته .
 ولهذا وغيره تكلم الناس فيمن اتبعه كالقلانسي والأشعري ونحوهما بأن في أقوالهم بقايا من الاعتزال , وهذه البقايا أصلها هو الاستدلال على حدوث العالم بطريقة الحركات فإن هذا الأصل هو الذي أوقع المعتزلة في نفي الصفات والأفعال .اهـ (6) 

قال الخلال في السنة : 1887- وأخبرني عبد الله في موضع آخر ؛ قال : قلت لأبي : إن لويناً محمد بن سليمان الأسدي يقول : أول ما خلق الله والله عز وجل لم يزل متكلماً قبل أن يخلق الخلق فأعجبه هذا واستحسنه .

قلت : يعني أن الله لم يزل متكلما (فاعلا لأن الكلام فعل)

وقال الدارمي رحمه الله : لِأَنَّ الْحَيَّ الْقَيُّومَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ وَيَتَحَرَّكُ إِذَا شَاءَ، ويهبط ويرتفع إِذا شَاءَ ، ونقبض وَيَبْسُطُ وَيَقُومُ وَيَجْلِسُ إِذَا شَاءَ؛ لِأَنَّ أَمَارَةُ مَا بَيْنَ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ التَّحَرُّكَ.
كُلُّ حَيٍّ مُتَحَرِّكٌ لَا مَحَالَةَ. وَكُلُّ مَيِّتٍ غَيْرُ مُتَحَرِّكٍ لَا مَحَالَةَ .اهـ (7) 


وأما ادعاء الكوثري اتفاق فرق المسلمين على هذه العقيد الإلحادية فلا يزيد من صحة كلامه شيئا إذ أنه لم يتفق إلا مع الجهمية وفروعها الذي هو ينتسب إلى احدها

قال ابن تيمية رحمه الله واصفا حال هذا الاتفاق بينهم :  ... طوائف أهل البدع من أهل الكلام وغيرهم ليس فيهم من يوافق الرسول في أصول دينه لا فيما اشتركوا فيه ولا فيما انفرد به بعضهم. فإنهم وإن اشتركوا في مقالات فليس إجماعهم حجة، ولا هم معصومون من الاجتماع على خطأ.
وقد زعم طائفة أنّ إجماع المتكلمين في المسائل الكلامية كإجماع الفقهاء. وهذا غلط، بل السلف قد استفاض عنهم ذم المتكلمين، وذمّ أهل الكلام مطلقاً اشتراك أهل البدع في دليل الأعراض .اهـ (8)

وقال : وأصل كلامهم العقلي باطل، والإجماع الذي يظنونه إنما هو إجماعهم، وإجماع نظرائهم من أهل الكلام، ليس هو إجماع أمة محمد، ولا علمائها.
والله تعالى إنّما جعل العصمة للمؤمنين من أمة محمد؛ فهم الذين لا يجتمعون على ضلالة ولا خطأ؛ كما ذكر على ذلك الدلائل الكثيرة . وكلّ ما اجتمعوا عليه فهو مأثور عن الرسول ؛ فإنّ الرسول بيَّن الدين كلّه، وهم معصومون أن يُخطئوا كلّهم، ويضلّوا عمّا جاء به محمد ... فإجماعهم هو على علم موروث عن الرسول، جاء من عند الله، وذلك لا يكون إلا حقّاً.
وأمّا من كان إجماعهم على ما ابتدعه رأس من رؤوسهم4؛ فيجوز أن يكون إجماعهم خطأ؛ إذ ليسوا هم المؤمنين، ولا أمة محمد، وإنما هم فرقة منهم. .اهـ 

وبعد أن تبين فساد هذا الباعث الفكري عقليا ونقليا يمكننا أن نتكلم في الحلقات القادمة تفصيلا عن الصفات التي نفاها السبكي والكوثري في السيف وحاشيته  إن شاء الله تعالى

هذا وصل اللهم وسلم على سيدنا محمد
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

السيف الصقيل 23
المصدر السابق 65 وانظر ص35 كلام السبكي
انظر النبوات (1/560)
الرد على الزنادقة والجهمية (
الدرر السنية (3/191)
درء تعارض العقل والنقل (1/283)
نقض عثمان بن سعيد
النبوات (1/559)
النبوات (1/565)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أتممته ولله الحمد في 19 رجب 1438هـ
16  أبريل 2017م قبيل صلاة المغرب

الأحد، 9 أبريل 2017

حديث من غسل ميتاً فليغتسل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه

أما بعد

قال أحمد في المسند (7771) 7758- حَدَّثَنَا يُونُسُ ، حَدَّثَنَا أَبَانُ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ، عَنْ رَجُلٍ ، مِنْ بَنِي لَيْثٍ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ، يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ غَسَّلَ مَيِّتًا ، فَلْيَغْتَسِلْ.

فيه رجل لم يسمّ

ورواه أيضا عن  يحيى 9601 وحجاج 9862 عن ابن أبي ذئب عن صالح مولى التوأمة عن أبي هريرة

وصالح هذا صدوق اختلط بآخر عمره ولكن رواية ابن أبي ذئب عنه كانت قبل الاختلاط , ولكن تفرده عن أبي هريرة لا يحتمل (وقد استنكر الدارقطني حديثا بمثل هذا الإسناد)


وقال  أيضا 18146 - حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: وَقَدْ كُنْتُ حَفِظْتُ مِنْ كَثِيرٍ مِنْ عُلَمَائِنَا بِالْمَدِينَةِ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ كَانَ يَرْوِي عَنِ الْمُغِيرَةِ أَحَادِيثَ مِنْهَا، أَنَّهُ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: " مَنْ غَسَّلَ مَيِّتًا، فَلْيَغْتَسِلْ "

محمد بن إسحاق لم يسم من روى عنه 

وقال : 7770 - حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ رَجُلٍ يُقَالُ لَهُ: أَبُو إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " مَنْ غَسَّلَ مَيِّتًا، فَلْيَغْتَسِلْ " (2)

أبو إسحاق قال عنه أبو حاتم : لا يسمى .اهـ يعني مجهول .

قال الترمذي في جامعه : 993- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي الشَّوَارِبِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ الْمُخْتَارِ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: مِنْ غُسْلِهِ الغُسْلُ، وَمِنْ حَمْلِهِ الوُضُوءُ يَعْنِي: الْمَيِّتَ.

عبدالعزيز بن المختار سلك الجادة

قال الترمذي في العلل الكبير : 245 - قَالَ أَبُو عِيسَى: سَأَلْتُ مُحَمَّدًا عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ «مَنْ غَسَّلَ مَيِّتًا فَلْيَغْتَسِلْ» . فَقَالَ: رَوَى بَعْضُهُمْ عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ , عَنْ إِسْحَاقَ مَوْلَى زَائِدَةَ , عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَوْقُوفًا. قَالَ مُحَمَّدٌ: إِنَّ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ وَعَلِيَّ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ قَالَا: لَا يَصِحُّ فِي هَذَا الْبَابِ شَيْءٌ .اهـ

قلت : يشير الإمام البخاري هنا إلى إعلال الرواية التي ذكرناها من طريق عبدالعزيز بن المختار

قال الدارقطني : ويُشبِهُ أَن يَكُون سُهَيلٌ كان يَضطَرِبُ فِيهِ .اهـ

وقال ابن أبي حاتم في العلل : قال أبِي : ... إِنّما هُو موقُوفٌ عن أبِي هُريرة ، لا يرفعُهُ الثِّقاتُ .اهـ

قال ابن المنذر في الأوسط (5/350) : الِاغْتِسَالُ مِنْ غَسْلِ الْمَيِّتِ لَا يَجِبُ، وَلَيْسَ فِيهِ خَبَرٌ يُثْبَتُ، قَالَ أَحْمَدُ: " لَا يُثْبَتُ فِيهِ حَدِيثٌ "، وَقَدْ أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ رَجُلًا لَوْ مَسَّ جِيفَةً، أَوْ دَمًا، أَوْ خِنْزِيرًا مَيِّتًا، أَنَّ الْوُضُوءَ غَيْرُ وَاجِبٍ عَلَيْهِ، فَالْمُسْلِمُ الْمَيِّتُ أَحْرَى أَنْ لَا يَكُونَ عَلَى مَنْ مَسَّهُ طَهَارَةٌ، وَاللهُ أَعْلَمُ .اهـ

وقال البيهقي في السنن الكبرى 1441- ......  وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، ثنا أَبُو بَكْرِ بْنٍ إِسْحَاقَ أنبأ أَبُو بَكْرٍ الْمُطَرِّزُ قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ يَحْيَى يَقُولُ: لَا أَعْلَمُ فِيمَنْ غَسَّلَ مَيِّتًا فَلْيَغْتَسِلْ حَدِيثًا ثَابِتًا وَلَوْ ثَبَتَ لَزِمَنَا اسْتِعْمَالُهُ .اهـ

إذاً الحديث المرفوع أعله أحمد والبخاري وأبو حاتم ومحمد بن يحيى الذهلي وابن المديني وابن المنذر , والبيهقي 

والرواية الموقوفة الصحيحة :

قال ابن أبي شيبة في المصنف 11264- حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّهُ كَانَ يَ  يقول   مَنْ غَسَّلَ مَيِّتًا فَلْيَغْتَسِلْ وَمَنْ حَمَلَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ.

والأئمة عندما يتكلمون عن أسانيد معينة ويحكمون أنها خطأ فلا يمكن أن نستعملها في الاعتضاد عند جمع الطرق فالخطأ معناه منكر والمنكر أبدا منكر كما قال الإمام أحمد

ويتأكد هذا في حديثنا لأن الأئمة حكموا على المرفوعات جميعها بالخطأ وصححوا الموقوف 

وأما حكم الاغتسال لمن غسل ميتاً :

فقد قال ابن المنذر في الأوسط : وَاخْتَلَفُوا فِي الِاغْتِسَالِ مِنْ غَسْلِ الْمَيِّتِ، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَا غُسْلَ عَلَى مَنْ غَسَلَ مَيِّتًا، هَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ عُمَرَ، وَعَائِشَةَ، وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، وَالنَّخَعِيِّ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ... وَقَدْ رُوِّينَا عَنْ عَلِيٍّ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُمَا قَالَا: " مَنْ غَسَلَ مَيِّتًا فَلْيَغْتَسِلْ "، وَكَذَلِكَ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَابْنُ سِيرِينَ، وَالزُّهْرِيُّ .اهـ

قال إسحاق الكوسج في مسائله. 783 - قلتُ : مَنْ غَسَّلَ مَيتًا ، أيغتسِل ؟ قَالَ : أرجو أَنْ لا يجب عليه الغُسل ، فأمَّا الوضوءُ فأَقل ما قيلَ فيه . قَالَ إسحاق : كما قَالَ لا يَدَعَنَّ الوضوءَ على حال

هذا وصل اللهم وسلم على سيدنا محمد.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ




أتممته بحمد الله يوم الأحد ١٢ رجب  بعد منتصف الليل.


الاثنين، 3 أبريل 2017

الحلقة التاسعة في الرد على السبكي ( مساجلة مع الأشاعرة في أسماء الله وصفاته )

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه 

أما بعد:


فقد بينت في الحلقتين السابقتين الإعتماد الكلي عند الأشاعرة في باب الصفات على العقل , وأما الشرع عندهم فليس عليه معوّل , بل بعضهم أطلق في هذا عبارات قبيحة يشعر القارئ منها أن المتكلم عقلاني مغرض لا إسلامي متشرع ،

وذكرت طعونات بعضهم في علم الحديث نصرة لمذهبه الوبي , ورددت عليهم بذكر أربع طبائع في الحديث ونقلته تبهرج خرافاتهم التي نسجوا ،

وفي هذه الحلقة سيكون السجال معهم حول الصفات إن شاء الله تعالى ،

ربّ يسر وأعن برحمتك يا كريم ;

سلك الأشاعرة في إثبات الصفات مسلك العقليات وأعرضوا عن السمعيات –نصوص الكتاب والسنة- إلا استئناساً إن وافقت مذهبهم –فيما يظنون- ورداً وتأويلاً لها إن خالفت مذهبهم  فلا قيمة للنصوص عندهم .

قال السمعاني رحمه الله : أهل الأهواء إذا سمعوا شيئاً من الكتاب والسنة عرضوه على معيار عقولهم ؛ فإن استقام قبلوه وإن لم يستقم في ميزان عقولهم ردوه .اهـ(1)

فأثبت الأشاعرة لله تعالى سبع صفات وهي التي يسمونها صفات المعاني وهي : السمع والبصر والكلام والإرادة والحياة والقدرة والعلم , ونفوا بقية الصفات.

واحتجوا على باطلهم أن إثبات بقية الصفات يلزم منه التشبيه بالمخلوقات !!

(تنبيه : يرجع الأشاعرة بقية الصفات إلى صفة الإرادة , فالرحمة ينفون حقيقتها , ويقولون : هي إرادة الإنعام , والغضب : هو إرادة الإنتقام . وهلُمَ جرا !!)

فيقال لهم :

1- إن الكلام في بعض الصفات كالكلام في البعض الآخر يحتذى فيه حذوه , فإن كان إثبات باقي الصفات يلزم منه التشبيه بالمخلوقات , نقول : وكذلك يلزم مما أثبتم التشبيه بالمخلوقات , فإن قلتم : إنما أثبتناها على ما يليق بالله , فنقول : ونحن نثبت كل ما أثبتته نصوص الكتاب والسنة من الصفات على ما يليق بالله سبحانه .

2- فإن قالوا : العقل يقتضي ثبوت الصفات السبع فقط , يقال لهم : إن ما لم تثبته عقولكم قد أثبتته النصوص الشرعية , والإطمئنان إلى النصوص أكثر من الإطمئنان إلى مجرد العقل ؛ والعقل إن لم يثبتها -كما زعمتم- فهو لم ينفها.
3- ثم إننا يمكننا إثبات صفات غير السبع بنظير طريقتكم العقلية التي سلكتموها : فأنتم أثبتم صفة القدرة بدليل عقلي 

4- فنقول : إن إنعام الله على أوليائه يدل على صفة الإحسان , وعقاب الله لأعدائه يدل على صفة الإنتقام , ونفع العباد يدل على صفة الرحمة. 

إذن العقل يثبت الصفات ولا ينفيها كما ادعت الأشاعرة

5- ثم إن كان العقل فعلاً لا يمكنه إثبات الصفات غير التي أثبتوها فإنه أيضا لا ينفيها ! , فعدم وجود دليل عقلي معين على وجود الصفة لا يقتضي عدم وجود الصفة 
(لا يلزم من عدم الدليل المعين عدم المدلول)

6- وجِماعُ الكلام أن يقال : إن الله تعالى وصف نفسه بصفات ووصف مخلوقاته بصفات  ؛ فوصف نفسه بالمحبة ووصف عباده بالمحبة فقال :"يحبهم ويحبونه" , وليست محبة الخالق كمحبة المخلوق , ووصف نفسه بالعلم فقال :"إن الله سميع عليم" ووصف عبده بالعلم فقال:"وإنه لذو علم لما علمناه" وليس العلم كالعلم , ووصف نفسه بالاستواء فقال :"الرحمن على العرش استوى" , ووصف عباده بالاستواء فقال :"لتستووا على ظهوره" وليس الاستواء كالاستواء .

7- فأهل السنة والجماعة أصحاب الطريقة السلفية يثبتون ظواهر النصوص وحقيقتها ويفوضون علم كيفيتها إلى الله سبحانه , كما قال الإمام مالك رحمه الله لما سئل عن الاستواء , قال : الاستواء معلوم , والكيف مجهول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة .

8- فإن الله سبحانه أخبرنا أنه استوى فنؤمن بذلك , وإذا سئلنا عن الكيفية ؟ , نقول : أخبرنا الله بأنه استوى ولم يخبرنا كيف استوى .

وهذه القاعدة مطردة في جميع الصفات مثل : الضحك والغضب والرضى واليدين والنزول والمجيء والقدمين .. إلخ

قال شيخ الإسلام رحمه الله : واعلم أنه ليس في العقل الصريح ولا في شيء من النقل الصحيح ما يوجب مخالفة الطريقة السلفية أصلاً .اهـ(2)

فالآن أثبتنا أنه بطريقتهم التي أثبتوا بها الصفات السبع يمكننا إثبات كثير من الصفات الأخرى التي ينفونها بزعمهم أنها يلزم منها التشبيه 

وفي الحلقات القادمة سنناقش السبكي والكوثري في الصفات التي نفوها ونثبت خطأهم إن شاء الله تعالى .


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ



(1) الحجة في بيان المحجة (2/224)
(2) مجموع الفتاوى (5/28)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


أتممته بحمد الله يوم الإثنين ١٦ / جمادى الآخرة ، بعد منتصف الليل.